تُعد رياضة "الرجبي على الكراسي المتحركة" (Wheelchair Rugby) واحدة من أكثر الرياضات البارالمبية إثارة وتشويقاً، حيث تمزج ببراعة بين السرعة الخاطفة، والالتحام الجسدي القوي، والتكتيك الاستراتيجي المعقد. إنها ليست مجرد منافسة رياضية، بل هي ساحة لإثبات أن الإرادة البشرية قادرة على تجاوز أصعب العوائق الجسدية.
النشأة والتطور: من "كرة القتل" إلى العالمية
تعود جذور هذه الرياضة إلى عام 1977 في مدينة وينيبيغ الكندية، حينما قرر خمسة رياضيين من ذوي الإعاقة الرباعية (Tetraplegia) البحث عن بديل لرياضة كرة السلة على الكراسي المتحركة، التي كانت تتطلب مهارات يدوية وتحكماً في الجذع قد لا يتوفر لديهم. كان هدفهم خلق رياضة تمنحهم دوراً "فاعلاً" في اللعب وليس مجرد مشاركة ثانوية.
في بداياتها، أُطلق عليها اسم "كرة القتل" (Murderball)، نظراً لطبيعتها الهجومية العنيفة والاصطدامات المدوية بين الكراسي. لاحقاً، وبهدف تسويق اللعبة عالمياً وجعلها أكثر قبولاً جماهيرياً، تم تغيير اسمها إلى "رجبي الكراسي المتحركة".
شهدت اللعبة تطوراً متسارعاً وفق محطات تاريخية بارزة:
1982: انطلاق أول بطولة دولية بين فرق من أمريكا الشمالية.
1993: تأسيس الاتحاد الدولي لرياضة الرجبي على الكراسي المتحركة (IWRF).
1995: تنظيم أول بطولة كأس عالم في سويسرا، والتي توج بها المنتخب الأمريكي.
1996: ظهور اللعبة كرياضة استعراضية في بارالمبياد أتلانتا.
2000: الاعتماد الرسمي للعبة كرياضة تمنح الميداليات في دورة سيدني، حيث واصلت الولايات المتحدة هيمنتها بحصد أول ذهبية.
خارطة القوى العالمية: عمالقة اللعبة
تسيطر مجموعة محددة من الدول على منصات التتويج، مدعومة بإمكانيات مالية وتقنية هائلة. وتبرز في مقدمة هذه القوى:
- الولايات المتحدة الأمريكية: المؤسس والشريك في نشر اللعبة، ودائماً ما تكون المرشح الأول في أي بطولة.
- كندا: مهد الرياضة، وتمتلك قاعدة كبيرة من الممارسين المحترفين.
اليابان: الحصان الأسود الذي تحول إلى قائد للمسيرة. رغم حداثة عهدها مقارنة بمؤسسي اللعبة، تطورت اليابان بسرعة مذهلة بفضل التكتيك المنظم والسرعة، لتصبح المصنفة الأولى عالمياً وتتوج بذهبية بارالمبياد باريس 2024.
- أستراليا: قوة تاريخية ضاربة تمتلك دورياً محلياً عالي المستوى.
- بريطانيا: منتخب عريق يستند إلى قاعدة لاعبين واسعة وخبرات طويلة.
الواقع العربي والأفريقي: طموحات تصطدم بالتحديات
على الصعيدين العربي والأفريقي، لا تزال اللعبة في مراحل نمو متفاوتة. تُغرد جنوب أفريقيا وحيدة خارج السرب كقوة رائدة في القارة السمراء، وهي المنتخب الأفريقي الوحيد الذي يمتلك القدرة على المشاركة في البطولات العالمية الكبرى.
أما الدول الأخرى مثل (ليبيا، المغرب، مصر، أوغندا، كينيا، ونيجيريا)، فهي تبذل محاولات حثيثة لإدخال الرياضة وتطويرها، إلا أنها لا تزال تفتقر للمنظومة الاحترافية المتكاملة. ونظراً لقلة عدد المنتخبات الأفريقية، تضطر هذه الفرق غالباً للمشاركة في تصفيات مشتركة مع مناطق آسيا أو أوروبا.
عربياً، يُعتبر انتشار اللعبة محدوداً جداً مقارنة برياضات ذوي الإعاقة الأخرى. ورغم وجود مبادرات في بعض دول غرب آسيا للتعريف باللعبة، إلا أنها لم تصل بعد لمرحلة المنافسة الدولية الحقيقية.
تحديات الانتشار: التكلفة والتعقيد التقني
يواجه انتشار "رجبي الكراسي المتحركة" في الدول النامية والعالم الثالث عائقين رئيسيين:
1. التكلفة الباهظة (العائق الاقتصادي)
تعتبر التكلفة التحدي الأكبر. الكرسي المستخدم ليس كرسياً طبياً عادياً، بل هو أشبه بـ "دبابة رياضية صغيرة" مصممة من الألمنيوم المقوى أو التيتانيوم لتحمل الاصطدامات العنيفة المتكررة.
تتراوح تكلفة الكرسي الواحد بين 3,000 إلى 10,000 دولار أمريكي (وقد تزيد للمحترفين).
- تتطلب الكراسي صيانة مستمرة وميزانيات ضخمة لتبديل الإطارات وقطع الغيار المتضررة من الالتحام.
- هذا العبء المالي يحرم الكثير من الأندية واللاعبين من امتلاك معدات خاصة، مما يؤثر سلباً على مستواهم الفني.
2. التصنيف الطبي المعقد (العائق الفني)
تعتمد اللعبة على نظام تصنيف طبي دقيق جداً بناءً على مستوى الإعاقة وقدرة العضلات، لضمان تكافؤ الفرص. يتطلب هذا النظام خبراء ومتخصصين مؤهلين دولياً، وهو كادر نادر الوجود في العديد من الدول العربية والأفريقية.
رسالة أمل
رغم التكلفة العالية والتحديات اللوجستية، تظل رياضة الرجبي على الكراسي المتحركة رمزاً للإرادة الصلبة. إنها المتنفس الذي يمنح أصحاب الإعاقات الشديدة (خاصة إصابات الحبل الشوكي) فرصة للخروج من العزلة الاجتماعية إلى أضواء المنافسة العالمية، معززة ثقتهم بأنفسهم.
ويبقى الأمل معقوداً على تضافر الجهود العربية لتأسيس أول منتخب عربي قادر على اختراق هذا الحصن العالمي، ورفع راية التحدي في المحافل الدولية.
كتب:عبدالكريم الفرجاني

التعليقات